من سلسلة قوانين بيت العمر

صمم لأيّامك.. لا لمناسباتك

البيت الذي يُبنى لعشر ليالٍ في السنة.. تدفع ثمنه العائلة في ثلاثمئة وخمسين ليلة.

من قوانين بيت العمر

البيت الذي يُبنى لعشر ليالٍ في السنة.. تدفع ثمنه العائلة في ثلاثمئة وخمسين ليلة.

بيتٌ تعرفه

دعني أمشي معك في بيت، لن أخبرك بيت مَن؛ لأنك ستعرفه بنفسك من أول خطوة.

على يمين المدخل مجلس الرجال: أفخم فراغات البيت كلها. كنبٌ لم يجلس عليه أحد منذ العيد، وثريا تتدلى من سقف بارتفاع دورين، وستائر مسدلة تحرس العتمة. الغرفة نظيفة نظافة الأماكن التي لا يمر بها البشر.. باردة برودة الفنادق الخالية.

إلى جواره صالة الطعام الرسمية: طاولة تتسع لاثني عشر كرسياً، انسحبت عليها ملاءة بيضاء منذ أن تم فك أغلفة الكراسي، وفي نهاية الممر غرفة ضيوف كاملة بدورة المياه الخاصة بها.. تحولت منذ سنتين.. إلى مستودع محترم للأغراض التي لا مكان لها.

حسناً.. وأين العائلة؟

العائلة هناك، في الغرفة الصغيرة الملاصقة للمطبخ: خمسة أشخاص على كنبة صُنعت لثلاثة!، وشاشة على الجدار، وأطفال يدرسون على طاولة الطعام اليومية لأن لا مكان سواها، البيت ستمئة متر.. والحياة كلها تجري في ثمانين متراً منه.

هذا البيت بُني مرتين: مرة للذين يزورونه.. ومرة للذين يسكنونه، وللأسف الشديد.. أخذ الزوار النصيب الأكبر.

جذور المشكلة..

فلنتفق أولاً حتى لا يُحمل كلامي على غير وجهه: الكرم فينا قيمة عليا، ولن أكتب سطراً واحداً ضده، الضيف عندنا مقدَّم، وهذا شرف ثقافتنا لا عيبها، المشكلة ليست في الكرم.. المشكلة أن الكرم تمت إزاحته من الصحن إلى الخرسانة.

بيوت أجدادنا كانت مجالسها تعمل حقاً، كان المجتمع يتزاور كل ليلة، وكانت "ديوانية البيت" مؤسسة حية: فيها تُحل الخلافات، وتُعقد الزيجات، وتتربى الأجيال على مجالس الكبار. جدك لم يبنِ مجلسه للمناسبات.. بناه لحياته اليومية، لأن يومه كان كذلك فعلاً.

ثم ورثنا نحن شكل بيت الجد.. من غير حياة الجد نفسها، بقي المجلس الكبير على حجمه القديم، وصارت الزيارات مناسبات معدودة: عيدان، وعزيمة أو عزيمتان، وطارئ يجمع الأهل. الفراغ باقٍ.. والحياة التي كانت تملؤه رحلت.

وهناك جذر ثانٍ أعمق: البيت عندنا واجهة اجتماعية. نبني الأجزاء التي يراها الناس بعين الناس، والأجزاء التي نعيش فيها بعين «ما تيسر». وجذر ثالث أعرفه من داخل المهنة وأعترف به: سؤال «كم مجلساً تريدون؟» أسهل على المصمم من سؤال «كيف تعيشون يومكم؟». الأول جوابه رقم.. والثاني جوابه رحلة، وكثير من المكاتب والمصممين يختار السؤال الأسهل.

لكن الجذر الأصدق هو أن الخوف من الندم الاجتماعي أعلى صوتاً من الخوف من الندم اليومي. كلام الضيوف ليلة العزيمة مسموع ويصلك.. أما ضيق زوجتك بمطبخها كل صباح فصوته لا يغادر البيت، فنبني للصوت المسموع.. وندفع الثمن للصوت الصامت.

أجريت هذا الحساب مع عوائل كثيرة: اسحبوا تقويم سنتكم الماضية، وعدّوا الليالي التي فُتح فيها المجلس فعلاً لضيوف من خارج البيت. أغلب من حسبتُها معهم خرجت أرقامهم بين ثماني ليالٍ وخمس عشرة. خمس عشرة ليلة.. مقابل ثلاثمئة وخمسين ليلة تعيشها العائلة في بقية البيت. والمساحة مقسومة بالعكس تماماً.

تطبيق القانون..

أولاً: حوّل الإحساس إلى رقم، قبل أي جلسة تصميم، اسحب تقويم سنتك الماضية واحسب ليالي الضيوف الفعلية. رقمك أنت.. لا رقماً متخيلاً. هذا الرقم سيحضر معك في كل قرارات البيت.

ثانياً: اسأل سؤال الفندق، خذ كل فراغ ضيافة في المخطط، واقسم تكلفته التقريبية على ليالي استخدامه في السنة. حين تخرج الليلة الواحدة في «فندق ضيوفك» بآلاف الريالات.. يصبح القرار أوضح من أي نقاش.

ثالثاً: اطلب فراغات تعمل مرتين. المجلس الذي ينفتح على المعيشة بقواطع تنسحب، وصالة الطعام الواحدة التي تتوسع ليلة العزيمة، والغرفة التي تكون مكتباً طوال السنة وضيافة عند الحاجة، تحدث مع مصممك بلا مواربة: أريد بيتاً لأيامي يستضيف مناسباتي.. لا بيت مناسبات أعيش على هامشه.

رابعاً: انتبه لجملة الإنذار. إذا سمعت نفسك تقول «عيب ما نسوي..» وأنت تصف فراغاً، فتوقف واسأل: عيبٌ عند من؟ وكم ليلة في السنة سيراه هذا الذي نستحي منه؟

خامساً: الترتيب الصحيح. صمم بيت أيامك أولاً بكامل جودته: معيشة تتنفس، ومطبخ يسرّ أهله، وغرف تكفي أبناءك. ثم انظر ماذا تخصص للمناسبات. أغلب الناس يسيرون بالعكس.. فيخرج البيت ضيفاً على أهله.

إلا إذا..

وهناك بيوت تكون المناسبات فيها هي الأيام نفسها: بيت كبير العائلة الذي مجلسه ديوانية الحي كل ليلة، والبيت الذي يسكنه والدان كبيران والزيارة عليهما يومية، والرجل الذي جعل عملُه وعلاقاتُه بيتَه مكتباً ثانياً، هؤلاء ضيافتهم ليست مناسبة.. بل حياة يومية، ومجلسهم الكبير يعمل بعدد ساعات معيشتهم، القانون معهم لم يُكسر.. بل تحقق: صمموا لأيامهم، وأيامهم هي المناسبات، والعبرة واحدة لم تتغير: التقويم هو الحَكَم.. لا العادة.

العزيمة ليلة وتمضي.. واليوم يعود كل يوم.

عندك قصة مع هذا القانون؟ مجلس مقفل، أو غرفة ضيوف صارت مستودعاً، أو قرار عكسته فارتحت؟ شاركها معي.. فقصصكم وتعليقاتكم جزء من هذا المشروع.

مقال الأسبوع في بريدك

يصلك المقال كاملاً كل أسبوع، بلا إزعاج، وتلغي بضغطة متى شئت.

اقرأ بعدها

السكنبيتك يتحدث.. تفاعل معههناك بيت عمره سبع سنوات، تدخله اليوم فتجده غير البيت الذي سُلّم لأصحابه. لا تفهمني خطأ، الجدران مكانها والمخطط نفسه، لكن البيت..قراءة ٦ دقائق

عندك سؤال عن بيتك؟ اسألنا على واتساب، بلا التزام.