الحماس لا يبني بيتاً
أعرف الليلة التي قررتَ فيها بناء بيتك. لم أكن معك.. لكني أعتقد أني أعرفها.

الحماس يشعل الرحلة.. والجاهزية هي التي توصلها.
ليلة القرار
أعرف الليلة التي قررتَ فيها بناء بيتك. لم أكن معك.. لكني أعتقد أني أعرفها.
ربما كانت بعد عزيمة في بيت جديد: بيت قريب أو زميل، رائحة الدهان لم تغادره بعد، وصاحبه يمشي بكم من فراغ إلى فراغ وعينه تلمع. ركبتم السيارة، وقبل أن تخرجوا من الحي قالتها زوجتك أو قلتَها أنت: «متى دورنا؟». وفي الطريق صار البيت مرسوماً في الذهن: المجلس هناك، والمطبخ مفتوح، وغرفة لكل ولد. وصلتم ونصف الحلم مكتمل.. وقبل منتصف الليل كنتَ تفتح حاسبة التمويل في جوالك.
هذه الليلة جميلة، ولا أريد أن أفسدها عليك. أريد فقط أن أخبرك ماذا تكون.. وماذا لا تكون: هي ليلة ولادة النية. أما قرار البناء فشيء آخر تماماً، له شروط لا تتواجد في العزائم.
جذور المشكلة..
البيت عندنا حلم مؤجل بطبيعته: نؤجله للوظيفة الأثبت، وللمدخرات الأكبر، ولعمر الأولاد الأنسب. والحلم المضغوط سنوات ينفجر عند أول شرارة؛ عزيمة، أو عرض تمويل، أو أرض «فرصة» في مجلس، فيقفز صاحبه من النية إلى التوقيع بلا المحطة التي بينهما.
ويساعده على القفز ثلاثة أصوات، صوت المقارنة: زملاؤك بنوا، وجيل كامل حولك «توهق» (بحسب تعبيرهم المرح) وخرج سالماً، فتشعر أن القافلة تمشي وأنت واقف. وصوت السوق: عروض التمويل لا تطرق بابك إلا بصيغة العجلة.. «الهامش ينتهي آخر الشهر»، وصوت فيك أنت: الخوف من أن يكون الانتظار جُبناً، وأن «اللي ما يغتنم الفرصة ما يستاهلها».
فيغيب وسط الضجيج سؤال هادئ: هل نحن جاهزون؟ والجاهزية التي أعنيها ثلاث، لا واحدة. جاهزية مالية: دفعة لا تجرف مدخرات الطوارئ، وقسط يترك للمعيشة نَفَسها، وهامش لما سيظهر ولم يُحسب.. وسيظهر. وجاهزية عائلية: اتفاق حقيقي بين الزوجين لا على «نبني» فكلاهما متحمس، بل على شكل الحياة في البيت الجديد ومكانه وقربه من أهل من منهما. وجاهزية زمنية: البناء مشروع يأكل من صاحبه ساعات وأعصاباً لسنتين.. فهل سنتاك القادمتان تحتملانه؟ وظيفة على وشك نقلة، أو مولود في الطريق، أو والد مريض يحتاجك.. كلها إجابات مشروعة اسمها: ليس الآن.
وهنا بيت القصيد: ثقافتنا تعامل «ننتظر» كأنها هزيمة. وهي في رحلة بيت العمر من أشجع القرارات وأكثرها احتراماً، لأن الذي ينتظر عن وعي يعرف ماذا ينقصه بالضبط، ومتى يتحرك.
من مجالسنا
«وقعنا على البيت واحنا طالعين من عزيمة أخوي. والله ما فتحنا ورقة ولا حسبنا حسبة.. كان الحماس هو المستشار الوحيد في السيارة».
«أجلنا سنتين وأنا متضايق، أحس إننا تأخرنا عن الركب. السنتين ذولي عدلوا كل شي: الدفعة صارت ضعف، وعرفنا وش نبي بالضبط».
«بدينا والظروف ما كملت، وجا المولود وجت النقلة.. وقف العظم سنة كاملة واقف يطالعنا كل ما مرينا عليه».
تطبيق القانون..
أولاً: افصل القرارين، «سنبني بيتاً» نية تتخذها الليلة وتفرح بها، احتفل بها كما تشاء، أما «سنبدأ» فقرار له تاريخ، والتاريخ لا يوضع إلا بعد اجتياز الجاهزيات الثلاث، أغلب التعثر يبدأ من الخلط بينهما: عائلة وقّعت نية.. وظنتها خطة.
ثانياً: اختبر الجاهزيات بأسئلة مكتوبة لا بإحساس. المالية: لو تعطل دخلنا ثلاثة شهور في منتصف البناء.. هل نكمل أم ننهار؟ العائلية: هل جلسنا (نحن الاثنين) جلسة واحدة كاملة عن البيت لم تنتهِ بخلاف مؤجل؟ الزمنية: ما الذي نعرف أنه قادم في السنتين القادمتين.. وهل يترك للمشروع مكاناً؟
ثالثاً: قاعدة الأربعين يوماً، اكتب قرار البدء في ورقة بتاريخها.. واتركه أربعين يوماً، إن رجعتَ إليه بنفس الاقتناع وقد بردت الليلة الأولى، فالقرار قرارك. وإن وجدته فتر، فالذي وقّع أول مرة كان الحماس.. لا أنت.
رابعاً: انتبه لجملة الإنذار، إذا سمعت نفسك تقول «الفرصة ما تتكرر» فتوقف واسأل: من المستفيد من استعجالي؟ الفرص الحقيقية نادرة.. أما «الفرصة التي لا تتكرر» فتتكرر كل موسم، بصيغة جديدة وبائع جديد.
إلا إذا..
وهناك لحظات تكون الفرصة فيها حقيقية ومسقوفة بوقت صادق: أرض ملاصقة لبيت والدك يعرضها جارك مرة واحدة في العمر، أو تخصيص لن يعود، هنا لا أقول لك أغمض عينك.. أقول: افصل الاغتنام عن التهور. اشترِ الأرض إن كانت جاهزيتك المالية تحتملها وحدها.. وأجّل البناء حتى تكتمل بقية الجاهزيات. بهذا اغتنمت ما لا يتكرر، من غير أن تبدأ رحلة ناقصة العدة. القاعدة لم تنكسر: الذي استعجل شراء ما يفوت.. لا بناء ما لا يفوت.
الحماس يوقّع في ليلة.. والجاهزية هي التي تسدد ثلاثين سنة.
